الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
19
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أنمي على البغضاء والشنآن وهو من المصادر الدالّة على الاضطراب والتقلّب ، لأنّ الشنآن فيه اضطراب النفس ، فهو مثل الغليان والنزوان . وقرأ الجمهور : شَنَآنُ - بفتح النون - . وقرأ ابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، وأبو جعفر - بسكون النون - . وقد قيل : إنّ ساكن النون وصف مثل غضبان ، أي عدوّ ، فالمعنى : لا يجرمنّكم عدوّ قوم ، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف . وإضافة شنآن إذا كان مصدرا من إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي بغضكم قوما ، بقرينة قوله : أَنْ صَدُّوكُمْ ، لأنّ المبغض في الغالب هو المعتدى عليه . وقرأ الجمهور : أَنْ صَدُّوكُمْ - بفتح همزة ( أن ) - . وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب : - بكسر الهمزة - على أنّها ( إن ) الشرطية ، فجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبل الشرط . والمسجد الحرام اسم جعل علما بالغلبة على المكان المحيط بالكعبة المحصور ذي الأبواب ، وهو اسم إسلاميّ لم يكن يدعى بذلك في الجاهليّة ، لأنّ المسجد مكان السجود ولم يكن لأهل الجاهليّة سجود عند الكعبة ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ في سورة البقرة [ 144 ] ، وسيأتي عند قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الإسراء : 1 ] . وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ . تعليل للنهي الذي في قوله : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ . وكان مقتضى الظاهر أن تكون الجملة مفصولة ، ولكنّها عطفت : ترجيحا لما تضمّنته من التشريع على ما اقتضته من التعليل ، يعني : أنّ واجبكم أن تتعاونوا بينكم على فعل البرّ والتقوى ، وإذا كان هذا واجبهم فيما بينهم ، كان الشأن أن يعينوا على البرّ والتقوى ، لأنّ التعاون عليها يكسب محبّة تحصيلها ، فيصير تحصيلها رغبة لهم ، فلا جرم أن يعينوا عليها كلّ ساع إليها ، ولو كان عدوّا ، والحجّ برّ فأعينوا عليه وعلى التقوى ، فهم وإن كانوا كفّارا يعاونون على ما هو برّ : لأنّ البرّ يهدي للتقوى ، فلعلّ تكرّر فعله يقرّبهم من الإسلام . ولمّا كان الاعتداء على العدوّ إنّما يكون بتعاونهم عليه نبّهوا على أنّ التعاون لا ينبغي أن يكون صدّا عن المسجد